علي بن أحمد المهائمي
593
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
( بقوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها [ البقرة : 26 ] ، ( ثم علم أن ثمة ) أي : فيما تمثلت به الدنيا ما هو ( أصغر من البعوضة ، قال : فما فوقها ) . ولما توهم أن الفوقية من الكبر ، وهو محل المبالغة فسره بقوله أي : ( في الصغر ) ؛ فإنه فوق البعوضة في الحقارة ( فهذه المبالغة ) ، وإن لم تجب في قول لقمان ، فهي واجبة في ( قول اللّه تعالى في ) صورة ( الزلزلة ) ؛ وذلك لأن عادته المبالغة في موضعها ، إذ هذا أي : قوله : فَما فَوْقَها ( قول اللّه ) ، والذرة ( التي في الزلزلة قول اللّه أيضا ) ، فلا يختلف قوله في المبالغة ، وتركها لقوله تعالى : وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [ النساء : 82 ] أي : برهانه المبالغة في البعض دون البعض ، والمبالغة في موضعها من جملة المبالغة ، ( فنحن نعلم ) من رعايته المبالغة في موضعها ( أن اللّه ما اقتصر على وزن الذرة وثمة ) أي : فيما يشبه به العمل والخلق ( ما هو أصغر منها ) ، إذ لا يدخل تحت نية العبد ، فلا يكون له فيه كسب يفيد عنه فيه ، إذ لو دخل تحتها لم يكن في هذه الآية مبالغة ، لكن وقع الاتفاق على المبالغة فيها ، ( فقد جاء بذلك على سبيل المبالغة ) ، فإنهم اتفقوا على أن هذه الآية أجمع الآيات لدقائق الأعمال ( واللّه اعلم ) . [ وأمّا تصغيره اسم ابنه فتصغير رحمة ولهذا وصّاه بما فيه سعادته إذا عمل بذلك ، وأمّا حكمة وصيّته في نهيه إيّاه أن لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [ لقمان : 13 ] ، والمظلوم المقام حيث نعته بالانقسام ، وهو عين واحدة فإنّه لا يشرك معه إلّا عينه ، وهذا غاية الجهل ، وسبب ذلك أنّ الشّخص الّذي لا معرفة له بالأمر على ما هو عليه ولا بحقيقة الشّيء إذا اختلفت عليه الصّور في العين الواحدة ، وهو لا يعرف أنّ ذلك الاختلاف في عين واحدة ، جعل الصّورة مشاركة للأخرى في ذلك المقام فجعل لكلّ صورة جزءا من ذلك المقام ، ومعلوم في الشّريك أنّ الأمر الّذي يخصّه ممّا وقعت فيه المشاركة ليس عين الآخر الّذي شاركه إذ هو للآخر ، فإذن ما ثمّة شريك على الحقيقة ، فإنّ كلّ واحد على حظّه ممّا قيل فيه إن بينهما مشاركة فيه ، وسبب ذلك ، الشّركة المشاعة ، وإن كانت مشاعة فإنّ التّصرّف من أحدهما يزيل الإشاعة ، قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ [ الإسراء : 110 ] هذا روح المسألة ] . ( وأما تصغير ابنه ) في باب الحكمة العملية التي لم يأت فيها بما هو غاية الكمال في الأخلاق والأعمال ، وإنما بالغ في أن شيئا من الأعمال لا يضيع حياتها أصلا ، ( فتصغير رحمة ) ؛ لأن الصغر محل الرحمة ، فأشار إلى أنه وإن بلغ ما بلغ من الكمال في العلم ، فهو من جهة العمل